الأمر يختلف بحسب مذهبك، لأن المذاهب الأربعة حدّدت سنّ اليأس بأعمار مختلفة، واختلفت في حكم الدم النازل بعده. فالحنابلة يرون أن ما نزل بعد خمسين سنة هجرية استحاضة فتصلين وتصومين. وحدّه الحنفية بخمس وخمسين سنة، والمالكية بسبعين مع مرحلة مشكوك فيها بينهما، وذكر الشافعية اثنتين وستين سنة سنًّا ينقطع فيها الحيض في الغالب. وفي المذاهب كلها، الدم الذي ليس بحيض لا يمنع الصلاة ولا الصيام. ومن جهة أخرى، فأيّ نزول للدم بعد انقطاع الطمث يحسن إخبار الطبيبة به مهما كان حكمه. وفيما يلي كل قول بدليله، وما تفعلينه إلى أن تحددي القول الذي تتبعينه.
لماذا وقع الخلاف
قال الله تعالى في الحيض: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (البقرة: ٢٢٢). وقال تعالى في العدّة: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (الطلاق: ٤). والآية الثانية تدل على أن للمرأة مرحلة لا يُرجى فيها الحيض، لكنها لا تذكر سنًّا. فحدّد العلماء السنّ بما عرفوه من أحوال النساء، ولم يتفقوا على حدّ واحد.
الحنابلة: خمسون سنة هجرية ثم هو استحاضة
المعتمد عند الحنابلة أن الحيض لا يكون بعد خمسين سنة هجرية. فما نزل بعد ذلك دم عِرق، ويجري عليه حكم الاستحاضة، لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبَيْش رضي الله عنها: «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ» (رواه البخاري ومسلم). فتستمرين في الصلاة بـروتين الحائل والوضوء، وتستمرين في الصيام.
الحنفية: خمس وخمسون سنة، لكن لا بد أن يكون الدم كدم الحيض
سنّ اليأس عند الحنفية خمس وخمسون سنة هجرية. وبلوغها لا يُبطل كل دم يأتي بعدها: فعلى ما يُذكر في المذهب عادة، قد يكون الدم بعد الخامسة والخمسين حيضًا إن كان أحمر أو أسود، ويشبه لون دم حيضها السابق، ويستمر ثلاثة أيام على الأقل. وإلا فهو استحاضة. وهذا موافق لما جاءت به السنة من اعتبار صفة الدم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» (رواه أبو داود والنسائي).
المالكية: ثلاث مراحل، وما بين الخمسين والسبعين مشكوك فيه
عند المالكية ما نزل قبل الخمسين حيض، وما نزل بعد السبعين استحاضة. وما بينهما مشكوك فيه فيُنظر في الدم: هل فيه صفة الحيض، وما حال النساء في مثل سنها. وما دام الأمر مشكوكًا فيه فالأحوط أن تسألي من يعرف شروط المذهب.
الشافعية: اثنتان وستون سنة، ولا حدّ قاطع
في كتب الشافعية أن المرأة قد تحيض ما دامت حية من حيث الأصل، وذكروا اثنتين وستين سنة سنًّا ينقطع فيها الحيض في الغالب. فإن كنتِ على هذا المذهب ونزل الدم بعد الثانية والستين، فالأمر يرجع إلى شروط ينبغي أن تطبقها العالمة أو العالم على حالتك.
ما اتفقت عليه المذاهب الأربعة
- الدم الذي ليس بحيض استحاضة، والاستحاضة لا تمنع الصلاة ولا الصيام.
- وإن كان حيضًا فما فات من الصلاة لا يُقضى، وما فات من الصيام يُقضى (انظري قضاء ما فات من الصيام)، وتغتسلين غسل الحيض عند انقطاعه.
- لا يجوز الحكم بالتخمين: فالحكم متعلق بصفة الدم ووقته لا بقطرة واحدة.
ماذا تفعلين عمليًّا
اتبعي المذهب الذي تسيرين عليه عادة، أو العالمة أو العالم الذي تسألينه، والتزمي بذلك. وإن وقعتِ في المرحلة المشكوك فيها عند مذهبك، فصفي لمن تسألينه ما رأيتِ: لونه وقوامه وعدد أيامه ومقارنته بدوراتك السابقة. ولا تتركي الصلاة لمجرد احتمال أنه حيض.
ونزول الدم بعد انقطاع الطمث مسألة طبية كذلك، مستقلة عن الحكم الشرعي. فالخدمة الصحية الوطنية في بريطانيا (NHS) تعرّف النزيف بعد سن اليأس بأنه نزول دم من المهبل بعد انقطاع الطمث، وتنصح بمراجعة الطبيب عند ملاحظته حتى لو كان قليلًا أو حدث مرة واحدة. وهو في الغالب ليس خطيرًا، ومن أسبابه الشائعة ترقق بطانة المهبل أو الرحم، والسلائل، وسماكة بطانة الرحم، لكن الخدمة تشدد على فحصه لأنه قد يدل أحيانًا على أمر خطير يسهل علاجه إذا اكتُشف مبكرًا. فالحكم الشرعي يبين لك كيف تعبدين، ولا يخبرك بما يجري في جسدك إلا الطبيب.
وتدوين التاريخ واللون والكمية يسهّل الحديثين معًا. وتطبيق تتبع الدورة المخصص للمرأة المسلمة يحفظ هذا السجل ويضع التواريخ في موضعها الصحيح.
هذه الصفحة للدراسة وليست فتوى. وهي تعرض أقوال المذاهب بأدلتها لترى كيف استدل كل منها؛ وفي حالتك الخاصة، اسألي عالمًا مؤهلًا.