نعم. لا تمنع الاستحاضة المرأة من الصيام، كما لا تمنعها من الصلاة. فتستمر في صيامها ما دام الدم غير المعتاد مستمرًّا، آخذةً بالاحتراز نفسه من تلوّث ثيابها، وبروتين الوضوء لكل صلاة الذي يحكم صلاتها في أثناء الاستحاضة.
والأصل في هذا طبيعة الاستحاضة نفسها. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبَيْش رضي الله عنها، حين سألته أتدَع الصلاة: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ». (رواه البخاري ومسلم). ولمّا لم تكن الاستحاضة حيضًا، فإنها لا تأخذ أحكام الحيض، والصيام لا يسقط إلا بالحيض والنفاس تحديدًا. قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ». (رواه البخاري). وهذا الأمر متعلق بدم الحيض نفسه، والاستحاضة لا تنطبق عليها هذه الصفة.
وثمّ حجة أقوى من ذلك أيضًا. فـالجنابة، وهي حدث أكبر، لا تُبطل الصوم حتى لو بقيت بعد الفجر، لأنها لا توجب إلا الطهارة قبل الصلاة التالية، لا استمرار الصوم. أما الاستحاضة فهي حدث أصغر دائم، تُشبَّه بسلس البول المزمن، وليست حدثًا أكبر بحال. فإذا كانت الجنابة لا تمسّ الصوم، فالاستحاضة، التي تطلب منها أقل مما تطلبه الجنابة، أولى ألّا تمنع الصوم. والمذاهب الأربعة متفقة على هذه النتيجة: الصيام مستمر.
ما الذي يتغيّر فعلًا في صيامها
لا شيء يتعلق بالصوم نفسه. فتتسحّر، وتنوي الصيام، وتصوم يومها كالمعتاد. أما التعديلات التي تطلبها الاستحاضة فهي خاصة بصلاتها لا بصومها:
- حائل يمسك الدم، للتحرّز من تلويث ثيابها ومكان صلاتها، وهو الاحتراز نفسه الوارد في حديث حَمْنة بنت جَحْش رضي الله عنها (رواه أبو داود والترمذي).
- الوضوء لكل صلاة، يتجدّد عند كل وقت صلاة ولا يُحمل على ما بعده، وهو قول جمهور أهل العلم من المذاهب الأربعة.
ولا صلة لأيٍّ من هذين الأمرين بصحة الصوم. فالوضوء شرط للصلاة لا للصيام، فلا يوجد ما يقابل الوضوء شرطًا يقف بين الاستحاضة وصحة الصوم.
لماذا يحسن التأكد من هذا أولًا
لا تكون الاستحاضة استحاضة إلا بعد تمييزها عن الحيض، بلونها وقوامها وموافقتها لعادتها المعروفة. فإن كان الدم النازل موافقًا لصفات دم الحيض أو واقعًا في مدة عادتها المعتادة، فإن صومها يبطل من لحظة نزوله، ويلزمها قضاء ذلك اليوم بعد ذلك، شأنه شأن أي يوم حيض في رمضان. وتحديد هذا التصنيف أولًا هو ما يقرر أيّ هذين الحكمين ينطبق عليها فعلًا.