في المسألة الخلاف نفسه الذي في الحيض، ذلك أن أحكام النفاس تتبع أحكام الحيض في هذه المسألة كما تتبعها في غيرها.
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن ما دام دم النفاس موجودًا، قياسًا لهذا الحدث على الجنابة التي يلزم منها الغسل. واستدلوا بحديث عليّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقرئهم القرآن ولا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة). واستدلوا أيضًا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ»، غير أن هذا الحديث ضعيف باتفاق أهل العلم.
وأجاز الإمام مالك وابن تيمية القراءة في الحيض والنفاس معًا، لأنهما رأيا القياس على الجنابة قياسًا ضعيفًا: فالجُنُب يمكنه أن يرفع حدثه بالغسل في الحال، أما النفاس فيمتدّ أيامًا، بل قد يبلغ أربعين يومًا أو ستين بحسب المذهب، وحرمان الأمّ الجديدة من القرآن هذه المدة الطويلة غير معقول. وهذا هو التعليل نفسه القائم على الضرورة الذي يفتح للنفاس رخصة المالكية في مسّ المصحف للتعليم والتعلّم؛ وهو يسري هنا للعلة نفسها.
ومما استدلّ به المجيزون:
- أنه لم يثبت دليل صحيح يمنع القراءة في أثناء النفاس تحديدًا، كما لم يثبت في الحيض.
- أن النساء كنّ يلِدن ويمرّ بهنّ النفاس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانت القراءة محرّمة كالصلاة لبُيّن ذلك بيانًا ظاهرًا، ولنقلته أمهات المؤمنين.
- أن القياس على الجنابة ضعيف للعلة ذاتها: فالجنابة ترتفع في دقائق، والنفاس لا يرتفع كذلك.
ولهذا كان القول بجواز القراءة، من غير مسّ المصحف مباشرة، هو الأرجح، للعلة نفسها التي رجّحته في الحيض.
وهذه الرخصة في القراءة نفسها؛ أما مسّ المصحف في أثناء النفاس فمسألة متصلة بها لكنها مستقلة، تُحسم بدليلها الخاص، ولها رخصة الحائل والتعليم وتطبيق القرآن الخاصة بها. ولا تُعامَل الجنابة المعاملة نفسها: فحديث عليّ يسري على من كان جُنُبًا مباشرةً لا قياسًا، فلا يمتدّ إليه التخفيف الذي مُنح للحيض والنفاس؛ فانظري هل يجوز قراءة القرآن في حالة الجنابة. فإذا تجاوز دم النفاس الحدّ المعتبر صار استحاضة، والاستحاضة أخفّ من ذلك كله، لأنها ليست حدثًا أكبر أصلًا، فلا يصل إليها هذا الخلاف بحال؛ فانظري هل يجوز للمستحاضة قراءة القرآن لمعرفة السبب.