لا، لا يجوز إلا من وراء حائل، تمامًا كما لا يجوز للحائض مسّ المصحف في أثناء الحيض. وهذا ليس حكمًا مستقلًّا استُحدث لدم النفاس، بل هو امتداد مباشر للأصل المبيّن في هل أحكام النفاس كأحكام الحيض؟: فالحالتان تشتركان في الحقيقة نفسها، وقد أجرى جمهور العلماء من المذاهب الأربعة الحكمَ نفسه في مسّ القرآن عليهما معًا.
والدليل هو الدليل نفسه المستدَل به في الحيض، وهو يبلغ النفاس بالمنطق نفسه: قول الله تعالى (تفسير المعنى): ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]، والكتاب الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم رضي الله عنه، وفيه: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (رواه مالك في الموطأ، وفي سنده انقطاع، لكن الشافعي ومن بعده كابن عبد البرّ قَبِلوه لتعدّد طرقه، وهو ما عمل به جمهور العلماء). ولم يَرِد النصّان باسم النفاس تحديدًا؛ بل يبلغانه بالطريقة نفسها التي يبلغان بها الحيض، عبر انعدام الطهارة المشترك الذي تصفه الحالتان معًا.
وذهبت طائفة من السلف، منهم الحسن البصري ومحمد بن سيرين وابن حزم، إلى جواز مسّ المصحف من غير طهارة في كل حال، وحملوا الآية على أنها في اللوح المحفوظ الذي لا يمسّه إلا الملائكة، لا في المصحف الذي بين يدي المرأة. ولم تأخذ المذاهب الأربعة بهذا القول في الحيض، وكذلك الأمر هنا.
ما يبقى مباحًا لها
اتُّفق بين المذاهب على جواز مسّ المصحف من وراء حائل منفصل عنه، كغلافه أو الكيس الذي يُحمل فيه أو كُمّ الثوب، في النفاس تمامًا كما هو الحال في الحيض. فالممسوس هناك هو الحائل لا المصحف نفسه.
ورخصة المالكية للمرأة التي تُعلِّم القرآن أو تتعلّمه مكتوبة لهذه الحالة بعينها. فهي تنصّ على الحيض أو النفاس معًا: تُباح للمرأة في أيٍّ من الحالتين مسّ المصحف والقراءة منه للضرورة، إذ إن حرمانها منه طوال مدة دمها، وقد تبلغ في النفاس أربعين يومًا أو ستين بحسب المذهب، يعطّل تعليمها أو تعلّمها تعطيلًا لا يقع في حالة أقصر. وهذه رخصة خاصة بالتعليم والتعلّم، لا إذنًا عامًّا بمسّ المصحف.
أما ترجمة القرآن بلا نصّ عربي فتفرّق بين المذاهب الأربعة على النحو نفسه الذي تفرّق به في الحيض. فالحنفية يرون أن القرآن نظمٌ ومعنًى معًا، فتبقى الترجمة قرآنًا ويسري عليها الحكم نفسه. وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن إعجاز القرآن في نظمه العربي خاصّة، فيجوز مسّ الترجمة وحدها، من غير النصّ العربي، من غير طهارة.
وأما الهاتف أو اللوح الإلكتروني أو تطبيق القرآن فيسري عليه المنطق نفسه الذي يطبّقه العلماء المعاصرون في مسألة الحيض: فالممنوع مسّ المصحف، والشاشة التي تعرض رموزًا متغيّرة ليست مصحفًا، لأنها زجاج وبلاستيك لا نصًّا عربيًّا ثابتًا يُعرَّف به المصحف. وقد نصّت دار الإفتاء بموقع إسلام ويب على هذا المعنى بعينه (الفتوى رقم 465004، بتاريخ 17 ربيع الأول 1444هـ الموافق 12 أكتوبر 2022م): فلا تحتاج المرأة إلى طهارة لتحمل جهازها أو تفتح التطبيق أو تنتقل بين صفحاته، مع أن الفتوى لا تزال تطلب الاحترام الأساسي، كعدم القراءة من شاشة قذرة ظاهرًا. وهذا هو الذي استقرّ عليه أكثر العلماء المعاصرين ومجالس الإفتاء اليوم، أيًّا كانت الحالة: حيضًا أو نفاسًا أو جنابة.
القراءة مسألة مستقلّة
القراءة عن ظهر قلب أو الاستماع إلى القرآن لا مسّ فيهما بحال، وتُحسم بدليلها الخاص لا بهذا الدليل. وينظر هل يجوز للحائض قراءة القرآن؟ لمعرفة ذلك الخلاف المستقلّ، إذ يحمل النفاس حكم القراءة نفسه الذي يحمله الحيض، للعلة نفسها التي يحمل بها حكم المسّ هذا.
أين لا تنتقل رخصة المالكية
يحسن بيان ما لا تفعله هذه الرخصة، لأن ذلك يوضّح لماذا نالها النفاس ولم تنلها الجنابة. فالرخصة مبنية على الضرورة: حالة تمتدّ أيامًا ولا يمكن تقصيرها بالإرادة. والنفاس يستوفي هذا الشرط للعلة نفسها التي يستعير بها حكم الحيض من الأساس. أما الجنابة فلا تستوفيه، لأن الغسل يرفعها فورًا، فلم يسجّل مذهب من المذاهب الرخصة نفسها فيها.
متى يرتفع هذا المنع
يرتفع هذا المنع بمجرد انتهاء النفاس والاغتسال منه، وهو الغسل نفسه الذي يفتح من جديد الصلاة والصيام ودخول المسجد. فإذا تجاوز الدم الحدّ المعتبر، أربعين يومًا على القول الراجح، وحتى ستين عند المالكية والشافعية، كما بُيّن في ما النفاس، وكم تبلغ مدته؟، صار استحاضة لا نفاسًا، والاستحاضة لا تمنع من مسّ المصحف بحال، تمامًا كما لا تمنع من الصلاة أو الصيام.