يختلف الحكم باختلاف ما تمسّه المرأة تحديدًا: أوراق المصحف المطبوع نفسها، أم غلافه، أم ترجمة بلا نصّ عربي، أم شاشة هاتف. ولكلٍّ من هذه الصور حكمها، ويحسن تناولها واحدة واحدة.
ذهب جمهور أهل العلم، من المذاهب الأربعة جميعًا، إلى أنه لا يجوز للحائض أن تمسّ النصّ العربي من المصحف مباشرة. ودليلهم قول الله تعالى (تفسير المعنى): ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]. واستدلّوا أيضًا بالكتاب الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن مع عمرو بن حزم رضي الله عنه، وفيه: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ». (رواه مالك في الموطأ، وفي سنده انقطاع، لكن الشافعي ومن بعده كابن عبد البرّ قَبِلوه لتعدّد طرقه، وهو ما عمل به جمهور العلماء).
وذهب طائفة من السلف، منهم الحسن البصري ومحمد بن سيرين وابن حزم (الفقيه الأندلسي المتأخر، لا الصحابي عمرو بن حزم المتقدّم ذكره)، إلى جواز مسّ المصحف من غير طهارة، وحملوا الآية على أنها في اللوح المحفوظ الذي لا يمسّه إلا الملائكة، لا في المصحف الذي بين يدي المرأة. ولم تأخذ المذاهب الأربعة بهذا القول، لكنه قول معروف منسوب لأصحابه، لا قولًا شاذًّا بلا قائل.
واتُّفق بين المذاهب على جواز مسّ المصحف من وراء حائل منفصل عنه، كالكيس الذي يُحمل فيه، أو كُمّ الثوب، أو القفّاز؛ لأنها في هذه الحال تمسّ الحائل لا المصحف نفسه. وهذا هو الاستثناء من ما يُمنع منه في أثناء الحيض، ولا يتجاوزه المنع.
وزاد المالكية رخصة أخرى: فأجازوا للمرأة التي تُعلِّم القرآن أو تتعلّمه أن تمسّ المصحف وتقرأ منه في أثناء الحيض أو النفاس للضرورة، إذ إن حرمانها منه طوال مدة الدم يعطّل تعليمها أو تعلّمها. وهذه رخصة خاصة بالتعليم والتعلّم، وليست إذنًا عامًّا للمالكية بمسّ المصحف.
أما ترجمة القرآن بلا نصّ عربي فموضع خلاف حقيقي بين المذاهب الأربعة. فالحنفية يرون أن القرآن نظمٌ ومعنًى معًا، فتبقى الترجمة قرآنًا ويسري عليها الحكم نفسه. وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن إعجاز القرآن في نظمه العربي خاصّة، فيجوز مسّ الترجمة وحدها، من غير النصّ العربي، من غير طهارة.
أما القراءة عن ظهر قلب أو الاستماع إلى القرآن فلا مسّ فيهما بحال، فيدخلان في حكم آخر غير هذا. وقد فُصِّل ذلك في مسألة هل يجوز للحائض قراءة القرآن؟، وهو خلاف مستقلّ لا يُحسم بما تقدّم هنا، وهو من جملة العبادات التي تبقى مفتوحة للحائض. ويسري التفريق نفسه بين المسّ والقراءة على الجنابة أيضًا؛ انظري هل يجوز قراءة القرآن في حالة الجنابة لمعرفة كيف تُحسم هذه المسألة.
وأما الهاتف أو اللوح الإلكتروني أو تطبيق القرآن فهو صورة المسألة التي تسأل عنها أكثر النساء اليوم، وهي مسألة مستجدّة لم يتناولها نصّ من كلام المتقدّمين مباشرة. وقد قاس العلماء المعاصرون هذه الصورة على الأصل نفسه الذي بُني عليه استثناء الحائل: فالممنوع مسّ المصحف، والهاتف ليس مصحفًا، لأن شاشته زجاج وبلاستيك تعرض رموزًا متغيّرة، لا نصًّا عربيًّا ثابتًا يُعرَّف به المصحف. وقد نصّت دار الإفتاء بموقع إسلام ويب على هذا المعنى بعينه (الفتوى رقم 465004، بتاريخ 17 ربيع الأول 1444هـ الموافق 12 أكتوبر 2022م): فلا تحتاج المرأة إلى طهارة لتحمل جهازها أو تفتح التطبيق أو تنتقل بين صفحاته. وما زالت الفتوى تطلب أدنى درجات الاحترام، كألّا تُقرأ الشاشة وهي متّسخة نجاسة ظاهرة. وهذا هو الذي استقرّ عليه أكثر العلماء المعاصرين ومجالس الإفتاء اليوم عبر المذاهب، سواء كان ذلك في الحيض أو النفاس أو الجنابة.
ويسري استثناء الحائل وحكم التطبيق نفسه معها في الحج أو العمرة؛ فانظري ماذا لو جاءني الحيض في أثناء الحج لمعرفة ما يتغيّر وما لا يتغيّر في أثناء الحج.