لا، ما دام دم النفاس مستمرًّا، تمامًا كما لا يجوز للحائض دخول المسجد أو المكث فيه في أثناء الحيض. وهذا ليس حكمًا مستقلًّا استُحدث لدم النفاس، بل هو امتداد مباشر للأصل المبيّن في هل أحكام النفاس كأحكام الحيض؟: فالحالتان تشتركان في الحقيقة نفسها، وقد أجرى جمهور العلماء من المذاهب الأربعة الحكمَ نفسه في دخول المسجد عليهما معًا.
والدليل هو الدليل نفسه المستدَل به في الحيض، وهو يبلغ النفاس بالمنطق نفسه. قول الله تعالى (تفسير المعنى): ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟﴾ [النساء: 43]. وقاس العلماء دم الحيض والنفاس على الجنابة في هذا الحكم، لاشتراكهما في انعدام الطهارة. وحديث أمّ عطية رضي الله عنها يُقرأ بالمنطق نفسه هنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحُيَّض أن يعتزلن مُصلّى المسلمين في العيد (رواه البخاري ومسلم)، وتُحمل النفساء على الحكم نفسه.
ما يبقى مباحًا لها
يجوز لها المرور في المسجد عابرةً من غير مكث، في النفاس تمامًا كما في الحيض، لا سيما عند وجود حاجة حقيقية للعبور بدلًا من الالتفاف حوله. وفي العيد تحديدًا، لها أن تبقى في مكان قريب تسمع فيه الخطبة وتذكر الله وتدعو من غير أن تدخل مُصلّى الصلاة. ولهذا أثر عملي حقيقي، إذ كثيرًا ما يوافق النفاس عيد الأضحى لمن وضعت قريبًا من موسم الحج، أو يوافق جمعة تقع في أثناء الأربعين أو الستين يومًا. ويبقى الذكر والدعاء والصدقة وسائر أعمال البر مفتوحًا لها هنا أيضًا؛ وإنما يُمنع المسجد، والصلاة، والصيام، والطواف، ومسّ المصحف من غير حائل.
متى يرتفع هذا المنع
يرتفع هذا المنع بمجرد انتهاء النفاس والاغتسال منه، وهو الغسل نفسه الذي يفتح من جديد الصلاة والصيام. فإذا تجاوز الدم الحدّ المعتبر، أربعين يومًا على القول الراجح، وحتى ستين عند المالكية والشافعية، كما بُيّن في ما النفاس، وكم تبلغ مدته؟، صار استحاضة لا نفاسًا، والاستحاضة لا تمنع من دخول المسجد بحال، تمامًا كما لا تمنع من الصلاة أو الصيام أو مسّ المصحف.