لا، لكنه يعني الخروج من المسجد فورًا، لأن الاعتكاف هو ذاته المكوث في المسجد لا مجرد مكان يُؤدى فيه. أما هل يلزمها استئنافه من جديد لاحقًا فذلك يتوقف على كيفية أدائها له وعلى المذهب الذي تتبعه.
الاعتكاف هو المكوث في المسجد بنيّة التعبد، والقرآن يسمّي المسجد نفسه موضعًا له: يصف [البقرة 2:187] الزوجين «وأنتم عاكفون في المساجد». فالحضور الفعلي في المسجد، لا مجرد نية التعبد، هو ما يصفه اللفظ.
وهذا بالضبط هو الشرط الذي يُسقطه الحيض. فالدليل نفسه الذي يمنع الحائض من دخول المسجد عمومًا، وهو [النساء 4:43] مقرونًا بحديث أم عطية رضي الله عنها (انظري هل يجوز للحائض دخول المسجد أو المكوث فيه)، ينطبق هنا من غير حاجة إلى خطوة إضافية، إذ لا وجود للاعتكاف خارج المسجد يمكن أن تنسحب إليه. روت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدني إليّ رأسه وهو معتكف، فأرجّله، وأنا حائض» (رواه البخاري). فقد بقيت في حجرتها المجاورة للمسجد، ولم يصل منها إليه إلا رأسه، ولم تدخل إليه لترجّله وهي حائض. وإذا كان هذا ما طلبه حيضها منها تجاه اعتكاف زوجها، فهو يطلب الأمر نفسه من امرأة تعتكف بنفسها: أن تخرج، ولا تعود حتى تطهر.
وبعد خروجها، فإن ما يلزمها عن الوقت المنقطع هو ما تختلف فيه المذاهب حقًا، لاختلافها في وجوب إتمام العبادة التطوعية بعد الشروع فيها أو قضائها.
- الحنفية: الشروع في نافلة يلزم بإتمامها، وهو المبدأ نفسه الذي يحكم صيام النفل إذا انقطع في أثنائه. فإذا طهرت، قضت الأيام التي أخذها حيضها منها.
- الشافعية والحنابلة: الاعتكاف التطوعي لا يلزم إتمامه بعد الشروع فيه. فإن لم تكن قد نذرت عددًا معينًا من الأيام، فلا يلزمها قضاء ما قطعه حيضها، وإن كان ذلك مستحبًا. أما النذر المحدد فأمر آخر: يبقى ما نذرته واجب الوفاء متى طهرت.
- المالكية: الاستمرار شرط في صحة الاعتكاف عندهم. فمن اشترطت عند دخولها المسجد أن المرض أو الحيض لا يقطع اعتكافها، جاز لها البناء على ما مضى واستئنافه من حيث انتهت متى طهرت. أما من لم تشترط ذلك، فالحيض يقطع الاستمرار قطعًا: فيلزم من نذرت اعتكافًا استئنافه من البداية، وينتهي التطوع منه من غير قضاء.
ولهذا يحرص كثير من النساء اللواتي يعتزمن مكوثًا طويلًا، وبخاصة في العشر الأواخر من رمضان، على اشتراط ذلك من البداية لهذا السبب بذاته: فهذا لا يكلّف شيئًا، ويحسم مسألة المالكية قبل أن تقع أصلًا.
ولا يمسّ هذا شيئًا مما يبقى مفتوحًا لها خارج المسجد. فالذكر والدعاء والاستغفار والصدقة تبقى مباحة تمامًا، انظري العبادات المفتوحة في أثناء الحيض. وإن وافق اعتكافها رمضان، فصيامها مسألة مستقلة تمامًا يحكمها حكمها الخاص لا هذا الحكم. أما الاستحاضة فلا تثير شيئًا من هذا أصلًا؛ فقد مكثت إحدى نساء الصحابة في المسجد للاعتكاف وهي مستحاضة، انظري هل يجوز للمستحاضة دخول المسجد أو المكث فيه. أما السفر العادي بعيدًا عن المسجد فيثير سؤالًا مختلفًا، عن الغسل لا عن المكوث؛ انظري ماذا لو جاءني الحيض في أثناء السفر لمعرفة موضع التيمم فيه.