لا، ما دام دم النفاس مستمرًّا، تمامًا كما لا يجوز للحائض أداء الطواف في أثناء حيضها. وهذا امتداد مباشر للأصل المبيّن في هل أحكام النفاس كأحكام الحيض؟: فالحالتان تشتركان في الحقيقة نفسها، والطواف هو الركن الوحيد الذي يمنعه دليل الحيض منعًا تامًّا، فيُحمل النفاس على الحكم نفسه.
وأوضح دليل على أن هذا حكمٌ مستقلٌّ معترَف به فعلًا، لا مجرد احتياط عام حول الولادة، حديث أسماء بنت عُمَيس رضي الله عنها. فقد نزل بها دم النفاس بعد الولادة في حجة الوداع، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي». (رواه مسلم). فأُمرت بالمضيّ في الإحرام وسائر المناسك وهي لا تزال في نفاسها؛ ولم يُستثنَ منها إلا الطواف، على الأصل نفسه الذي أُمرت به عائشة رضي الله عنها في حيضها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». (رواه البخاري ومسلم). ويبلغ النفاسُ هذا التوجيهَ بالطريقة نفسها التي يبلغها بها الحيض، لا لأن الدمين واحد، بل لأن كليهما يُخرجها من الطهارة التي يشترطها الطواف.
أين تختلف المذاهب الأربعة
الخلاف هنا هو الخلاف نفسه القائم في الطواف أثناء الحيض، منقولًا من غير تغيير. فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الطهارة شرطٌ لا يصح الطواف بدونه، استنادًا إلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني). فطواف النفساء لا يصح، ويلزمها إعادته متى طهرت. وذهب الحنفية إلى أن الطهارة واجبةٌ لا شرط، فيصح طوافها وهي في نفاسها مع الإثم، ويلزمها عنه دمٌ، تقليديًّا بدنة، وهو القول نفسه الذي تعتمد عليه أكثر المجالس الفقهية المعاصرة لمن لا تجد سبيلًا لتمديد إقامتها؛ انظري ماذا لو جاءني الحيض في أثناء الحج لمعرفة كيف يجري هذا في حالة الحيض تحديدًا.
طواف الوداع يسقط عنها كما يسقط عن الحائض
لا يلزم طوافُ الوداع النفساءَ أصلًا، للعلة نفسها التي يسقط بها عن الحائض. فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ. (متفق عليه). ويبلغ هذا الترخيصُ النفاسَ بالمنطق نفسه الذي تنتقل به سائر أحكام الحيض إليه. ولا يمتد إلى طواف الإفاضة في الحج ولا طواف العمرة نفسه، إذ يبقى واجبًا عند أكثر المذاهب تؤديه متى طهرت.
لماذا يهمّ هذا خطط سفر الأمّ الجديدة
قد يمتد النفاس مدةً أطول بكثير من الحيض، تبلغ أربعين يومًا أو ستين بحسب المذهب، كما بُيّن في ما النفاس، وكم تبلغ مدته؟. فمن تخطط لعمرة قريبًا بعد الولادة، أو تُتمّ حجًّا أو عمرة بدأتها قبل الولادة، ينبغي أن تتوقع أن يمتدّ نفاسها أطول من رحلة قصيرة، وأن تخطط لتأجيل الطواف أو لدم الحنفية بدلًا من افتراض أن الدم سينقطع في الوقت المناسب.
إذا تجاوز الدم الحدّ المعتبر
فإذا تجاوز الدم الحدّ المعتبر عند مذهبها، صار استحاضة لا نفاسًا، والاستحاضة لا تمنع من الطواف كما يمنعه الحيض أو النفاس. فتغتسل وتستأنف الطواف، آخذةً بروتين الحائل والوضوء نفسه الذي تأخذ به كل صاحبة استحاضة قبل الصلاة، بدلًا من انتظار انقطاع الدم كليًّا.
ويبقى السقوط نفسه شاملًا صلاتها وصيامها والمسجد ما دام النفاس مستمرًّا؛ انظري هل يجوز للنفساء دخول المسجد أو المكث فيه لمعرفة ما يبقى مباحًا لها في أثناء ذلك.