لا، لا يصح طوافها وهي حائض في الأصل. فالطواف هو الركن الوحيد في الحج والعمرة الذي يمنعه الحيض حقًّا، على خلاف الصيام والصلاة والدعاء في سائر أيام الحج. وتبقى سائر المناسك مفتوحة أمام الحائض، ولا يتوقف على الطهارة إلا الطواف بالكعبة نفسه، سواء أكانت في حج أم في عمرة منفردة أم زائرة للحرم فحسب.
وأوضح دليل على ذلك توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها في حجة الوداع، بعد أن حاضت وهي محرمة بالعمرة: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». (رواه البخاري ومسلم). وأمرها بمتابعة كل شيء آخر: الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمرات، والدعاء والتلبية، وهي من العبادات المفتوحة في أثناء الحيض. ولم يستثنِ إلا الطواف وحده. أما الحالة الخاصة بمن يبدأ حيضها في أثناء الحج وموعد عودتها محجوز مسبقًا، فماذا لو جاءني الحيض في أثناء الحج يتناول هذه المسألة بتفصيل مستقل.
لماذا ربطت أكثر المذاهب الطهارة بالطواف
تتفق المذاهب الأربعة على أنه لا ينبغي للحائض أن تطوف. وإنما يكمن خلافها في كون طهارتها شرطًا لصحة الطواف، بحيث لا يُعتدّ بالطواف أصلًا بدونها، أو واجبًا فحسب، إثمه على من تركه دون أن يبطل الطواف نفسه.
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الطهارة شرطٌ. ومستندهم حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني، وإن كان النووي وغيره قد رجّحوا أن الصحيح فيه أنه من قول ابن عباس نفسه لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم). ولمّا كان الطواف بمنزلة الصلاة في كل شيء إلا في إباحة الكلام فيه، وكانت الصلاة تشترط الطهارة، اشترطت في الطواف كذلك على هذا القول. فطوافها وهي حائض لا يصح أصلًا، وتبقى ملزمة بإعادته متى طهرت، مهما طال بها الأمر.
أين يختلف الحنفية
يرى الحنفية أن الطهارة من الحدث، والحيض منه، واجبةٌ لا شرطٌ لصحة الطواف. وعلى هذا القول يصح طوافها وهي حائض مع الإثم، ويلزمها عن ذلك دمٌ، وهو تقليديًّا بدنة. وهذا هو القول الذي تعتمد عليه أكثر المجالس الفقهية المعاصرة لمن لا تجد سبيلًا لتمديد إقامتها، إذ يتيح لها مغادرة مكة وطوافها تامٌّ فعلًا لا معلَّقًا.
طواف الوداع مسألة مستقلة
أما طواف الوداع، الذي يُؤدَّى قبيل مغادرة مكة، فلا يلزم الحائض أصلًا، ولا دم عليها فيه، لأنه غير واجب عليها من الأساس. فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ. (متفق عليه). وهذا الترخيص خاص بطواف الوداع وحده، ولا يمتد إلى طواف الإفاضة في الحج ولا طواف العمرة نفسه، وهو الركن الذي يبلغه حيضها فعلًا، إذ يبقى واجبًا عند أكثر المذاهب تؤديه متى طهرت، ويبقى عند الحنفية واجبًا كذلك ما لم يُجبر بدم.
كما أنها لا تدخل المسجد لتبلغ الكعبة وهي حائض، للعلة نفسها التي تمنعها من دخول أي مسجد آخر، وهو ما يجعل انتظار الطهر، لا البحث عن مخرج، هو المآل المعتاد لأكثر النساء اللواتي تنتهي حيضتهن قبل موعد عودتهن.
ولمّا كان لتأجيل الطواف أو ترتيب الدم أثرٌ حقيقي يختلف باختلاف حالها، فهذه من المسائل التي يحسن عرضها على عالم مباشرة، ويُستحسن أن يكون ذلك قبل السفر إن كان موعد حيضها المعتاد يوافق أيام حجها أو عمرتها. ولمسألة توقيت الحيض في أثناء رحلة عمرة مستقلة بذاتها، انظري ماذا لو جاءني الحيض في أثناء العمرة.