نعم، بمعنى أن السعي نفسه لا يشترك مع الطواف في اشتراط الطهارة. والذي يؤخر سعي أكثر الحائضات فعلًا ليس شرطًا خاصًّا بالسعي نفسه، بل كونه يُؤدَّى عقب طوافٍ صحيح، والحيض هو ما يعطّل ذلك الطواف.
والحديث الذي تقوم عليه معظم أحكام الحج والعمرة للحائض هو توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها بعد أن حاضت وهي محرمة بالعمرة في حجة الوداع: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». (رواه البخاري ومسلم). والسعي من جملة ما يفعله الحاجّ، ولم يستثنِه النبي صلى الله عليه وسلم باسمه. وإنما استثنى الطواف وحده.
لماذا يرتبط الطواف بالطهارة دون السعي
يرجع ارتباط الطواف بالطهارة إلى حديث آخر لابن عباس رضي الله عنهما: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني، وإن كان النووي وغيره قد رجّحوا أن الصحيح فيه أنه من قول ابن عباس نفسه لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم). ولمّا كان الطواف بمنزلة الصلاة، وكانت الصلاة تشترط الطهارة، اشترطت في الطواف كذلك على هذا القول. ولا يوجد حديث مماثل يسوّي السعي بالصلاة، ولذلك لا يشترط العلماء الطهارة من الحيض لصحة السعي نفسه كما يشترطونها للطواف.
لماذا يبقى سعيها منتظرًا رغم ذلك
مع ذلك، لا يُؤدَّى السعي منفردًا. فالعلماء متفقون على أنه لا بد أن يسبقه طواف صحيح، اتباعًا للترتيب الذي حجّ به النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وتوجيهه: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». (رواه مسلم، في حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي يصف حجة الوداع). ولمّا كان طوافها لا يُعتدّ به وهي حائض، فإن سعيًا يُؤدَّى قبله يلزم إعادته متى صحّ طوافها. ولهذا يجعل الجواب عن ماذا لو جاءني الحيض في أثناء الحج طوافَ الإفاضة والسعي ينتظران معًا، ويربط الجواب عن ماذا لو جاءني الحيض في أثناء العمرة بين الخطوتين نفسيهما بالترتيب نفسه: لا لأن السعي يشترك مع الطواف في شرط الطهارة، بل لأنه يُؤدَّى عقبه مباشرة.
ما الذي يستمر كالمعتاد في أثناء انتظارها
يبقى لها كل ما تركه حديث عائشة رضي الله عنها مفتوحًا في أثناء هذا الانتظار: الدعاء والذكر والتلبية وقراءة القرآن، وسائر العبادات المفتوحة في أثناء الحيض. أما الذي لا يستمر فهو دخول المسجد الحرام نفسه لبدء أيٍّ من المنسكين، للعلة نفسها التي تمنع الحائض من دخول أي مسجد آخر وهي حائض.
ولمّا كان طواف الإفاضة هو موضع الخلاف الحقيقي بين المذاهب الأربعة، خاصة لمن حُجز لها موعد عودة قبل أن تطهر، وكان السعي يتبع ببساطة ما يُقرَّر بشأن ذلك الطواف، فهذه من المسائل التي يحسن عرضها على عالم مع مواعيد سفرها الدقيقة، بدلًا من تسوية مسألة السعي بمفردها.