لا، حتى يُؤدّى الغسل. فالطواف يُعامَل معاملة الصلاة على الأصل نفسه الذي يمنع الحائض أو النفساء من الطواف، والجنابة حالةٌ تُغلق الصلاة نفسها أمامها، فيبلغها الإغلاق نفسه. والذي تفترق فيه الجنابة ليس أصل المنع، بل مدته: فالغسل يرفعه فورًا، بخلاف الدم الذي لا ينقطع إلا من تلقاء نفسه.
ويقوم منع الصلاة عن الجُنُب على نصّ القرآن مباشرة. قال الله تعالى (تفسير المعنى): ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟﴾ [النساء: 43]. ويبلغ الطوافَ الإغلاقُ نفسه بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ الْمَنْطِقَ، فَمَنْ نَطَقَ فَلَا يَنْطِقْ إِلَّا بِخَيْرٍ». (رواه الترمذي، وصححه الألباني، وإن كان النووي وغيره قد رجّحوا أن الصحيح فيه أنه من قول ابن عباس نفسه لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم). ولمّا كان الطواف بمنزلة الصلاة في كل شيء إلا في إباحة الكلام فيه، وكانت الصلاة تمتنع عن الجُنُب حتى الغسل، امتنع الطواف على الأصل نفسه.
أين تختلف المذاهب الأربعة
وهذا هو الخلاف نفسه الذي يفرّق بين المذاهب في الطواف أثناء الحيض أو النفاس، منقولًا إلى الجنابة على المنطق نفسه. فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الطهارة من الحدث، والجنابة منه، شرطٌ لا يصح الطواف بدونه. فطواف من كان جُنُبًا لا يصح، ويلزمه إعادته متى اغتسل.
وذهب الحنفية إلى أن الطهارة واجبةٌ لا شرطٌ لصحة الطواف. وعلى هذا القول يصح طواف من كان جُنُبًا مع الإثم، ويلزمه عنه دمٌ، تقليديًّا بدنة، وهي الرخصة نفسها التي يعتمدها المذهب حين لا يمكن الانتظار حتى ينقطع دم الحيض أو النفاس.
لماذا نادرًا ما يصبح هذا مشكلة تمتد أيامًا كما قد يحدث في الحيض أو النفاس
يمنع الحيض والنفاس الطواف طوال مدة الدم نفسها، أيًّا كان ما تفعله في أثناء ذلك. أما الجنابة فلا تحمل مدة انتظار من هذا النوع. فبمجرد أداء الغسل، ينفتح الطواف الذي كان ممنوعًا، سواء وقعت الجنابة قبل دقائق أو ساعات. فمن وجدت نفسها جُنُبًا قبل الطواف، سواء من معاشرة زوجها أو من احتلام في أثناء الرحلة، تغتسل وتمضي في طوافها؛ فليس هنا ما يماثل انتظار انقطاع الحيض في أثناء الحج.
المسجد نفسه يتأثر أيضًا
ولمّا كان الطواف يقع داخل المسجد الحرام، يمتنع على من كان جُنُبًا كذلك دخول المسجد أو المكث فيه للوصول إلى الكعبة، إلا في الاستثناء الضيّق الذي أباحته الآية نفسها للعابر من غير مكث. ويرتفع المنعان معًا في اللحظة نفسها التي يتمّ فيها الغسل.
ويفترق هذا عن الطواف في حالة الاستحاضة، الذي لا يتأثر بشيء من هذا: فالاستحاضة لا تُعدّ حدثًا أكبر كالجنابة، فلا يقيس أحد من المذاهب الأربعة عليها منع الطواف أصلًا.